الجنيد البغدادي

78

رسائل الجنيد

ثم لم يزل الجليل جل جلاله يعرض علي من الملك ما كلت الألسن عن نعته ففي كل ذلك علمت أنه بها يجربني فلم ألتفت إلى ما رأيت إجلالا لحرمته وكنت أقول يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي ، فلما علم اللّه سبحانه وتعالى مني صدق الإرادة والانفراد به إلى القصد إليه ، فإذا بملك مد يده فرفعني إليه ، ثم رأيت كأني عرجت إلى السماء الخامسة فإذا بملائكة قيام في السماء الخامسة رؤوسهم في عنان السماء السادسة ، يقطر منهم نور تبرق منه السماوات فسلموا كلهم على بأنواع اللغات فرددت عليهم السلام بكل لغة فتعجبوا من ذلك ، ثم قالوا : يا أبا يزيد تعالى حتى تسبح اللّه تعالى وتهلله ونعينك على ما تريد ، فلم ألتفت إليهم ، إجلالا لربي جل جلاله وعزته ، فعند ذلك هاج من سري عيونا من الشوق فصار نوري لعظمته في نور الملائكة كالشمس يوضع فيها سراج وعرض علي من الملائكة خلق عظيم ، وأنا لم ألتفت إلى شيء منها مما رأيت ، وذلك لعلمي إنما هو يجربني ، وكنت أقول يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي ، فلما علم اللّه تعالى مني صدق الإرادة في القصد إليه فإذا أنا بملك مد يده فرفعني إليه ، ثم رأيت كأني عرجت إلى السماء السادسة ، فإذا أنا بالملائكة المشتاقين جاءوني وسلموا علي ، وهم يفتخرون بشوقهم علي ففتحت لهم شيء من طيران سري ، ثم لم يزل يعرض علي الجليل من الملك ما تكل الألسن عن نعته ، ففي كل ذلك علمت أنه بها يجربني فلم ألتفت إليهم وكنت أقول : يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي . فلما علم اللّه تعالى مني صدق الإرادة في القصد إليه ، فإذا أنا بملك مد يده فرفعني ثم رأيت كأني عرجت إلى السماء السابعة ، فإذا أنا بمائة ألف صف من الملائكة استقبلني كل صف مثل الثقلين ألف ألف مرة مع كل ملك لواء من نور تحت كل لواء ألف ألف ملك طول كل ملك مسيرة خمسمائة عام وعلى مقدمتهم ملك اسمه بيرابيل فسلموا على بلسانهم ولغتهم ، فرددت عليهم السلام بلسانهم فتعجبوا من ذلك ، فإذا بمنادي ينادي : يا أبا يزيد ، قف قف ، فإنك قد وصلت إلى المنتهى ، فلم ألتفت إلى قوله ، ثم لم يزل يعرض علي من الملك ما كلت الألسن عن نعته ، وفي كل ذلك لم ألتفت له ولم أقف معه ، لعلمي أن الجليل جل جلاله يجربني بها ، وكنت أقول يا عزيزي مرادي في غير ما تعرض علي ، فلما علم اللّه مني صدق